الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أمّا بعد فإنّ من سنن الله في الكون: أنّ الضّعيف مُولَعٌ دائما بالقويّ، والقويّ دائما يسعى إلى استتباع الضعيفِ له، ليحافظ على قوّته وكينونته وسيطرته ومن ثَمَّ نشأ في العالم العديد من الصيحات الدَّاعية إلى الوحدة العالمية في شتّى المجالات، ومن هذه الصيحات ما جاء تحت إطار منظّمة اليونسكو
1 -معنى العولمة: تعني العولمة: المجتمع الإنساني الواحد، وصيرورة العالم واحدا. وبعضهم يسميها النّظام العالمي ..
وغاية ما يمكن قوله هو: أنّ العولمة هي تَوَجُّهٌ ودعوةٌ تَهْدِفُ إلى صياغة حياة النّاس لدى جميع الأمم ومختلف الدول وفق أساليب ومناهج موحّدة بين البشر، وإضعاف الأساليب والمناهج الخاصة، وبالذات ما يخالف جميع البشر، وتشمل النّظم المتعلّقة بحقوق الإنسان والاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة والدّين والإعلام والاتصال وجميع نواحي الحياة...
2- أهداف العولمة: للعولمة هدف ظاهر وهدف خفيّ: أمّا هدفها الظاهر وهو الهدف المعلن عنه فهو: خدمة البشرية، وتوحيد مصيرها بإزالة الحواجز بينها، وإشاعة القيم الإنسانية في عالمها، وحماية هذه القيم ومقاومة الرقابة الّتي تحدّ من حريّة الإنسان وحركته الاقتصادية أو تلغي معلوماته. وأمّا الهدف الصحيح وهو الهدف الخفيّ فهو: العمل على صبغ العالم الضعيف بثقافة الدول الغربية المهَيْمِنة، وعلى رأسها أمريكا، ونشر ثقافتها في العالم، وسيطرتها عليه في جميع مجالات الحياة، ..
3- السّمة العامّة للعولمة: بما أنّ الحضارة الغربية حضارة ماديّة جسديّة فإنّ العولمة مصطبغة بهذه الصبغة، فالجانب الأبرز فيها إذاً هو الجانب الاقتصادي، وهذا لا يمنع أن يكون الهدف الأسمى هو " العلمانية " التّي تُرَوِّجُ إلى الابتعاد عن الجانب الرّوحيّ، ومن الوسائل المستخدمة لتمرير هذه الأفكار: " التنصير " الّذي يجعل المسلم يتقبّل هذه الأفكار بعد انسلاخه عن دينه. 5- عناصر العولمة: أ- العولمة الاقتصادية: وأهمّ مظاهرها تحرير الأسواق (خوصصة المؤسسات)، وانسحاب الدولة من مشاركتها الاقتصادية بالدّرجة الأولى، وعليه فإنّ التنافس التّجاري يؤدّي إلى سيادة الأقوى واندحار الضّعيف، وهذا ما أدّى إلى حلّ المؤسسات العموميّة وتسريح العديد من العمّال في كثير من بلدان العالم الثالث، .. ب- العولمة الثقافية: وهذه هي أخطر المجالات حيث تهدف إلى ذهاب الدّين، وفساد الأخلاق، وذوبا الهويّة، ومن ثَمَّ الفناء الحضاري للدّول. ومن وسائلها الدّعوة إلى حريّة المرأة ومساواتها بالرّجُل، وتفكيك الأسرة باسم الحريّات الشخصية، والدعوة إلى هيمنة اللغات الأجنبية خاصة الإنجليزية على اللّغات المحليّة كالعربية، وفرض النّمط الأوروبّي في اللّباس والأكل ممّا يؤدي إلى ترك العادات والتّقاليد، وبالتالي يؤدي إلى الانحلال الخُلُقي المتمثّل في الشذوذ الجنسي والمخدّرات ونحوهما. ج- حقوق الإنسان: لا شكّ هنا أنّ من الحقوق المطالَب بها عالميا ما هو محمود، لكن دائما نجد ما يخالف العادات والتقاليد العربية والإسلامية،
د- العولمة الدينية: والقصد هنا إبعاد المسلمين عن دينهم، إذ يعتبر الإسلام عندهم أكبرَ حاجز لاختراق الدُّول الإسلامية والعربية..
الخاتمة:
6- الموقف من العولمة: بعد هذا الذي ذكرناه، وبالنّظر في الكتابات حول العولمة نجد أنّ المثقّفين من العرب والمسلمين وغيرهم على ثلاثة مواقف تجاه هذه العولمة: أ- العمل بالعولمة في كلّ ما جاءت به والاندراج فيها. ب- الرّفض التّام للعولمة لأنّها تخالف العادات والتقاليد وتحاول طمسها. ج- العولمة مُوضة عصرية زائلة كغيرها من الموضات، لذا يمكننا أن نأخذ منها ما ينفعنا ونذر منها ما يضرّنا مع التمسّك بعاداتنا وتقاليدنا وديننا، ويبقى دائما في أذهاننا أنّ العولمة هي: " التغريب " و " الحداثة " و " الغزو الفكري والثقافي " بتسمية جديدة وأسلوب حديث. نسأله تعالى التوفيق والسّداد، والهداية والرّشاد، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله ربّ العالمين.